سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

131

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

وفي بذل ثمرات سعيه في سبيل الحروب أو استثمار ثروته منها وفي مرضاة موقدها - أو رضائه عنها ووقوفه فيها تلك المواقف التي لاتقفها الحيوانات ولا الحشرات فهو أحط منهما - وليس ثمة مدنية ولا علم بل جهل وتوحش . ثم قال : « قرأت في القرآن أمرا تغلغلت في فهمه روحي وتنبهت إليه بكليتي وهو : « وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً . . » [ البقرة : 30 ] . فاندهشت الملائكة لهذا النبأ ولهذه المشيئة الربانية ، إذ علمت أن ذلك الخليفة ، سيكون الإنسان وأن ذلك الإنسان الخليفة - سيصدر منه موبقات وسيئات أعظمها وأهمها أنه « يسفك الدماء » . فقالت بملأ الحرية ، المتناسبة مع الملأ الأعلى وعالم الأنوار والأرواح ، الذي لا يصح أن يكون هناك شيء من رياء ونفاق : « أَتَجْعَلُ فِيهَا من يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ . . » [ البقرة : 30 ] . ووقفت الملائكة عند هذا الحد من الطعن في الإنسان ولم تذكر باقي السيئات من أعماله - إذ رأتها لغوا بالنسبة لهذين الوصمين - الفساد وسفك الدماء ! - لذلك برزت بهما حجة واتخذتهما برهانا على إعظام جعل الإنسان « خليفة » وفيه ذلك الاستعداد للعمل بالرذيلتين . « وهنا أول ما يتبادر للذهن أن قول الملائكة هذا أتى اعتراضا على المشيئة الربانية وفيه من عدم التأدب مع الله ما فيه - وهم أولى الخلائق بالتأديب ومعرفة عظمة الخالق - وقد جاء في حقهم أنهم « لَّا يَعْصَونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَآ يُؤْمَرُونَ » [ التحريم : 6 ] . ومتى صح هذا - كان الأقرب للصواب أن الملائكة أرادت أن تعلم ما أعده الله لصون الإنسان ( وقد جعله خليفة له في الأرض ) عن الفساد وسفك الدماء ؟ يدلنا على ذلك قوله تعالى « إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ » [ البقرة : 33 ] . وبأبسط المعاني أن الله تعالى أفهم الملائكة - أنكم علمتم ما في خليفتي في الأرض وهو الإنسان من الاستعداد لعمل الفساد وسفك الدماء وجهلتم ما أعددته لصونه وصرفه عن الإتيان بالنقيصتين المذكورتين - ألا وهو « العلم » ، فقال : « وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَ المَلائِكَة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( 31 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم